الغزالي
195
إحياء علوم الدين
ومهما أظهر أحسن وجهي الثوب وأخفى الثاني ، كان غاشا . وكذلك إذا عرض الثياب في المواضع المظلمة . وكذلك إذا عرض أحسن فردى الخف أو النعل وأمثاله ويدل على تحريم الغش ما روى أنه مر عليه السلام [ 1 ] برجل يبيع طعاما ، فأعجبه ، فأدخل يده فيه ، فرأى بللا ، فقال « ما هذا ؟ قال أصابته السماء . فقال ؟ فهلَّا جعلته فوق الطَّعام حتّى يراه النّاس ؟ من غشّنا فليس منّا » ويدل على وجوب النصح بإظهار العيوب ما روى أن النبي صلَّى الله عليه وسلم [ 2 ] لما بايع جريرا على الإسلام ، ذهب لينصرف . فجذب ثوبه ، واشترط عليه النصح لكل مسلم فكان جرير إذا قام إلى السلعة يبيعها ، بصر عيوبها ، ثم خيره وقال ، ان شئت فخذ ، وان شئت فاترك . فقيل له انك إذا فعلت مثل هذا لم ينفذ لك بيع . فقال انا بايعنا رسول الله صلَّى الله عليه وسلم على النصح لكل مسلم . وكان وائلة بن الا سقع واقفا ، فباع رجل ناقة له بثلاثمائة درهم ، فغفل وائلة وقد ذهب الرجل بالناقة ، فسعى وراءه وجعل يصيح به ، يا هذا اشتريتها للحم أو للظهر ، فقال بل للظهر . فقال ان بخفها نقبا قد رأيته ، وانها لا تتابع السير . فعاد فردها فنقصها البائع مائة درهم ، وقال لوائلة ، رحمك الله أفسدت علىّ بيعى . فقال انا بايعنا رسول الله صلَّى الله عليه وسلم على النصح لكل مسلم . وقال سمعت رسول الله صلَّى الله عليه وسلم [ 3 ] يقول « لا يحلّ لأحد يبيع بيعا إلَّا أن يبيّن آفته ، ولا يحلّ لمن يعلم ذلك إلَّا تبيينه » فقد فهموا من النصح أن لا يرضى لأخيه إلا ما يرضاه لنفسه ، ولم يعتقدوا أن ذلك من الفضائل وزيادة المقامات ، بل اعتقدوا أنه من شروط الإسلام الداخلة تحت بيعتهم . وهذا أمر يشق على أكثر الخلق ، فلذلك يختارون التخلي للعبادة والاعتزال عن الناس ، لان القيام بحقوق الله مع المخالطة والمعاملة ، مجاهدة لا يقوم بها إلا الصدّيقون ولن يتيسر ذلك على العبد إلا بان يعتقد أمرين أحدهما : أن تلبيسه العيوب وترويجه السلع لا يزيد في رزقه ، بل يمحقه ويذهب ببركته .